عبد الله الأنصاري الهروي
249
منازل السائرين ( شرح التلمساني )
وأمّا قوله : الأثرة الّتي نذكرها في الدّرجة الثالثة من هذا الباب فقد يجوز أن تسمّى كرها ، بمعنى أنّ الحقيقة تغصب المشاهد ذاته / فضلا عن ملكه قهرا ، وقد يجوز أن تسمّى طوعا ، وذلك لأنّ أهل الشّهود أهل محبّة ، وأكثرهم آثر اللّه تعالى على نفسه طوعا في زمن سلوكه ، فلمّا جاءه التجلّي الذي يستأثر به يقينه ويقوم عنه بوجوده وجده مطاوعا ، غاية ما في الباب أنّ التصرّف إذ ذاك ليس له بل الحقيقة ، لكن الحقيقة ما تصرّفت في فنائه بما يكرهه ، بل بما يحبّه ، إذ هو مطلوب الذي كان يطلب ، فإذا الأثرة المنقولة عن إيثاره هي طوع من العبد بالشّرح الذي ذكرناه . [ الدّرجة الأولى أن تؤثر الخلق على نفسك فيما لا يحرم عليك دينا ، ولا يقطع عليك طريقا ] الدّرجة الأولى : أن تؤثر الخلق على نفسك فيما لا يحرم عليك دينا ، ولا يقطع عليك طريقا ، ولا يفسد عليك وقتا . ( 1 ) هذا هو إيثار الدّرجة الأولى ، وهو إيثار الخلق على نفسك وسيأتي ما هو فوق هذا . قوله : تؤثر الخلق على نفسك أي تقدّمهم على نفسك في مصالحهم ، مثل أن تطعمهم وتجوع الجوع الذي لا يخرجك عن الحدّ المشروع ، ومثل أن تكسوهم وتعرى ، ولا يؤدّي إلى التلف أو غيره ممّا لا يجوز فعله ، ومثل أن تغنيهم بمالك وتفتقر وتتجرّد . قوله : فيما لا يحرم عليك ، احترازا من الإيثار بالمحارم ، أو بما يؤدّي إلى ما لا يجوز شرعا ، وهو معنى قوله : ما لا يحرم عليك دينا ، أي في الدّين ، أي المحرّم في الدّين وهي ملّة الإسلام .